صورة السعودي في الإعلان التجاري!
الإعلان التجاري من محدثات هذا العصر الذي لا تنقضي عجائبه، وإن كان البعض يعتبر أن فكرة الإعلان قديمة قدم التاريخ نفسه، إذ يزعم هؤلاء أن اللبنة الأولى وضعها الشاعر ربيعة بن عامر الملقب بـ"الدارمي"، معتمدين على القصة التي يرويها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني حول ذلك الرجل الذي جاء إلى "الدارمي" يشكو له عزوف النساء عن شراء الخمار الأسود، مما تسبب في كساد تجارته، فحزن الدارمي لحاله وتعاطف معه لدرجة أنه كتب له أبياتاً من الشعر ليستخدمها في الترويج لبضاعته الكاسدة، قائلاً:
قُلْ لِلْمَلِيحَةِ فِي الخِمَارِ الأَسْوَدِ
مَاذَا فَعَلْتِ بِنَاسِكٍ مُتَعَبِّدِ
قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلاَةِ ثِيَابَهُ
حَتَّى وَقَفْتِ لَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ
رُدِّي عَلَيْهِ صَلاَتَهُ وَصِيَامَهُ
لاَ تَقْتُلِيهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ
وحين انتشرت هذه الأبيات في الأصقاع كانتشار النار في الهشيم أصبح ارتداء الخمار الأسود موضة رائجة بين النساء، وارتفع سعرها أضعافاً مضاعفة، حتى نفدت لدى ذلك التاجر الذي أثرى من وراء أبيات شعر الدارمي!
وإذا نظرنا إلى واقع الإعلان التجاري اليوم نجد أنه لا يستفيد من الخصائص الاجتماعية فقط للأوساط المستهدفة، بل يخلق صورة نمطية خاصة لكل مجتمع، ولا يعبء بالمغالطات التي يقدمها بقصد أو بدونه، فنجد مثلاً صورة السعوديين في الإعلان يأكلون بشراهة، ويتزاحمون من أجل صورة دجاجة على شاحنة، ويقلبون المطاعم رأساً على عقب من أجل قطعة من اللحم، ويحطمون المحلات التجارية من أجل قطعة من الكعك، وفوق كل ذلك نرى السعوديين يطبّلون على بطونهم من الجوع من أجل الحصول على فطيرة.. وأعجب النماذج ذلك الرجل الذي أصبح كالخاتم في إصبع زوجته لأنها تطعمه الجبن في الوقت الذي تريد!
وإن قدم الإعلان شخصية السعودي في قالب أنيق فتجده مسروراً لأنه يركب سيارة فارهة حصل عليها بثمن باهظ، كما نراه يذهب إلى البنك ليأخذ قروضاً مرتفعة الفائدة، ويستخدم البطاقات الائتمانية والابتسامة لا تفارق محياه، ونجده كذلك يدفع فواتير الشركات التي تشرب من دمه وهو يقهقه حتى يكاد يسقط على ظهره من الحبور!
ورغم أن السعودية من أكثر دول العالم استيراداً لأفضل أدوات التجميل والعطور، فلا نجد في إعلانات هذه الشركات شخصيات سعودية، حيث يتم الاعتماد غالباً على عارضي الأزياء ومشاهير الفن والرياضة، ونراهم يستخدمون سيارات الفيراري والبورش واللامبورجيني وناطحات السحاب، مما يوحي بأن هذه المنتجات غير موجهة أصلاً لمجتمعاتنا رغم أننا نستهلكها بشراهة أيضاً!
قد يجد دعاة المؤامرة في هذه المفارقات مادة دسمة تعزز مفهوم استهداف الغرب للشرق للعبث بقيمه.. هذا إن بقي منها شيء!